الصحيح

منتدى الصحيح ..لاينشر الا الصحيح..على منهج اهل السنة بأتباع سلفنا الصالح..ونردفيه على الشبهات وعلى اهل الضلال والفرق المختلفة


    محنة الإمام الكوراني

    شاطر

    أبو مصعب
    رئيس المنتديات
    رئيس المنتديات

    عدد المساهمات : 506
    نقاط : 1234
    السٌّمعَة : 1
    تاريخ التسجيل : 30/09/2010
    العمر : 38

    محنة الإمام الكوراني

    مُساهمة  أبو مصعب في السبت أكتوبر 09, 2010 5:40 pm

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله
    وعلى آله وصحبه أجمعين

    العلاقةبين أئمة الدنيا وأئمة الدين دائمًا ما تكون علاقة حساسة، يشوبها الكثيرمن المخاطر، ذلك إن إمام الدنيا عادة ما يطلب من إمام الدين الغطاء الشرعيلأفعاله وأقواله وقراراته، بغض النظر عن مدى قربها أو بعدها من أحكامالشريعة، وإمام الدين عادة ما يطلب من إمام الدنيا أن يستمع لنصحهوإرشاده، ويعمل بتوجيهاته، وعندما تصطدم الرغبتان ويختلف الإمامان، تقعالمحن، وتنزل البلايا، وتبرز المخاطر والتي عادة يكون لإمام الدين الجانبالأكبر والحظ الأوفر من تلك المحن، وهذه محنة واحد من هؤلاء الأئمةالأعلام الذين كانوا بمثابة الحكام، ثم قام بهم سوق المحن، فتشردوا فيالبلاد، ولكن ظلوا على الثبات حتى الممات.
    التعريف به:
    هوالشيخ العلامة، مفتي الدولة العثمانية، مربي الملوك والسلاطين، الإمامشهاب الدين أحمد بن إسماعيل بن عثمان الشهرزوري الهمدانيّ التبريزيالكوراني ثم القاهري، عالم بلاد الروم [الدولة العثمانية].
    ولد سنة 813هـ بكوران من أعمال تبريز ]الآن في إيران]وبها تلقى علومه الأولى، وتضلع كما هي عادة أهل تلك البلاد في علم أصولالفقه والمنطق والكلام واللغة وعلومها وتوسع في العقليات، وبرع فيالمناظرات، وشارك في الفقه، حتى ضاقت بلدته الصغيرة على محصوله العلميالغزير، فقرر الخروج إلى رحلة علمية كما هي عادة طلاب العلم فرحل إلىدمشق، وهو دون العشرين، فاشتغل على علمائها، حتى نال مراده وقطع مأربهمنها، ثم توجه إلى القاهرة، وهي وقتها حاضرة العالم الإسلامي، وعاصمة دولةالمماليك، وبها أساطين العلماء وكبار الأئمة، وعلى رأسهم الحافظ ابن حجرالعسقلاني.

    وفيالقاهرة أكب الكوراني على تحصيل العلم، وانقطع على الاشتغال والإشغالولازم حضور مجالس العلماء، وما زال صيته يعلو ويعلو، حتى طارت شهرتهللسلطان المملوكي الظاهر جقمق، فاصطفاه لمجلسه، وقرَّبه من بساطه، فصار منخواصه، وكان الكوراني ظريفًا مطبوعًا، طلق اللسان، بارعًا في البيان، عندهحدة وشدة في المناظرة، لا ينافق سلطانًا ولا أميرًا، وهي خصال أحبهاالسلطان جقمق المملوكي، وإن كانت بعد ذلك ستورثه سلسلة المحن المتعاقبة فيحياته.

    ولميكن للكوراني مؤلفات كثيرة، بل كانت جلّ أعماله العظيمة في مجال الدعوةوالإرشاد والقضاء، وله شرح لصحيح البخاري، وتفسير للقرآن الكريم أكثر فيهمن التعقب على جلال الدين المحلى في تفسيره الشهير «الجلالين»، وله قصيدةفي علم العروض نحو ستمائة بيت، وقد أنشأ في إستنبول جامعًا كبيرًا ومدرسةسماها دار الحديث.

    محنته في القاهرة:

    ارتفعشأن الكوراني في القاهرة، وصار من جلساء السلطان نفسه، وذلك في فترة وجيزةمن الزمان، مما أوغر صدور بعض المشايخ، وممن ينتسب إلى العلم، وممن كانيحظى بعلمه عند السلطان، وقد وجدوا من الكوراني منافسًا لهم في مجالسالسلطان، ويشاركهم في اهتمامات السلطان، فتحركت الأحقاد والحسد والغيرةالمذمومة في صدورهم، وبدأوا في التحريض على الكوراني، والخوض في حقه،مستغلين حدته المشهورة.

    وجدخصوم الكوراني وحساده فرصة سانحة لا تفوت في الحادثة التي وقعت للكورانيمع أحد شيوخ الحنفية، وهو حميد الدين النعماني، وكان ذلك الرجل يدعيانتسابه للإمام أبي حنيفة النعمان، وقد تباحثا في مسألة فقهية، وطالتبينهما المناظرة، وعلت حجة الكوراني على حجة النعماني، فما كان رد فعلالنعماني إلا أن شتم الكوراني وسب آبائه، فرد عليه الكوراني السبابوالشتم، فذهب خصوم الكوراني وحساده إلى قاضي القضاة والسلطان المملوكي،واشتكوا أن الكوراني قد سب الإمام أبا حنيفة، وحرضوا على محاكمته وتأديبه،فعقد قاضي القضاة له مجلس تأديب، وحكموا عليه بالجلد ثمانين جلدة، وذلكبمحضر من السلطان نفسه، ثم أمر بنفيه خارج البلاد، على الرغم من أنالكوراني مظلوم لا ذنب له، وإنما رد على من شتمه، كما أن نسب الشيخ حميدالدين مشكوك فيه، ولم يقصد الكوراني أبدًا أن يسب أبا حنيفة، فالكوراني منأتباع المذهب الحنفي، فكيف يشتم إمامه وشيخه.

    المنح بعد المحن:

    خرجالكوراني من بلاد مصر مثقلاً بالهموم والأحزان جراء المحنة التي تعرض لها،فلقد شتم وأهين وضرب ومزقوا كرامته وعرضه، ثم نفوه خارج البلاد مثلالمجرمين، فقرر التوجه إلى الدولة العثمانية؛ لأنه سمع عن عدل سلطانهاالمجاهد مراد الثاني، والذي كان له اهتمام أيضًا بالعلم والعلماء والأدباءوالشعراء، وكان كما وصفه يوسف آصاف صاحب كتاب «تاريخ سلاطين آل عثمان»Sadتقيًا صالحًا، وبطلاً صنديدًا، محبًا للخير، ميالاً للرأفة والإحسان).

    استقرالشيخ الكوراني في أدرنة عاصمة الدولة العثمانية وذلك عام 840هـ، وأخذ فيالاشتغال بالتعليم والتدريس ونشر علوم اللغة العربية، فأخذ صيته ينتشر بينأهل أدرنة شيئًا فشيئًا، فتهافتوا على حضور دروسه ومجالسه، وتسابقالأغنياء على طلبه لتأديب وتربية أبنائهم، وقد لقبوه بالمولى الكورانيبسبب مهارته في تربية الأولاد، وقدرته الفائقة على تعديل سلوكياتهم، ورفعمستوياتهم العقلية والإيمانية.

    وصلتأخبار شهرة الكوراني إلى السلطان العثماني «مراد الثاني» فطلبه لتربيةولده وولي عهده من بعده «محمد خان» الملقب بالفاتح، وكان صبيًا في العاشرةأو الثانية عشرة من العمر، وكان السلطان مراد الثاني يهيئ ولده محمدًالمعالي الأمور وعظائمها، فعينه أميرًا على ولايته «مغنيسيا» وانتدب لهالعديد من المعلمين والمربين لإعداده وتعليمه، ولكن الأمير محمد كان صبيًامثل باقي الصبيان، مشغول باللعب واللهو كعادة من هو في سنه، فلم يمتثللأوامرهم، وهم بدورهم لم يضغطوا ويشتدوا عليه خوفًا من هيبة أبيه، فلمارأى السلطان «مراد الثاني» ولده الذي جعله ولي عهده وخليفته من بعده لميتعلم شيئًا، ولم يقرأ أو يحفظ شيئًا، اشتد غضبه وسأل عن أفضل معلميدولته، فقيل له رجل غريب من أهل تبريز اسمه «المولى الكوراني» فأحضره مرادالثاني ووضح له صورة الأمر، وطلب منه أن يشتد في تربية ولده محمد، وذلكسنة 844هـ.

    وصلالكوراني إلى مغنيسيا، ودخل على الأمير محمد، فوجده واقفًا أمام المرآةيرجل شعره، فقال له الكوراني وكان في يده عصا غليظة: (أرسلني والدكللتعليم، والضرب إذا خالفت أمري) فضحك الأمير محمد وسخر منه، واستمر فيترجيل شعره، فما كان من الكوراني إلا ضربه ضربًا شديدًا، حتى خاف منهالأمير محمد بشدة وأخذ في مذاكرة دروسه وختم القرآن في مدة يسيرة، ولقدتأثر الأمير محمد بشيخه الكوراني بشدة، وأثر بالأخص في توجهاته وأفكاره،ولقد أثمرت ترك التربية القوية على محمد خان، فصار بعد ذلك محمد فاتحالقسطنطينية، أعظم سلاطين الدولة العثمانية.

    ظلخبر الكوراني في علو وارتفاع حتى تولى السلطان محمد الثاني قيادة الدولةالعثمانية، فاختاره مع جلة من العلماء لتولي أهم مناصب الدولة، إذ عينالكوراني في منصب قاضي العسكر، وهو أعلى المناصب الدينية وأهمها في الدولةالعثمانية وقد اشترك مع السلطان محمد الثاني في فتح القسطنطينية سنة857هـ، وكان الكوراني شديدًا في الحق، لا يهاب فيه أحدًا من الناس، مهماكانت درجته أو منصبه، حتى أنه كان يخاطب السلطان العثماني «محمد الثاني»باسمه مجردًا، ويصافحه ولا يقبل يده، بل بعزة العالم وأستاذية المربيوالمعلم، يقبل السلطان هو يده، ولعل تلك المكانة العظيمة التي وصل إليهاالكوراني، قد جلبت عليه نفس المحن التي تعرض لها مع السلطان المملوكي جقمق.

    محنة الكوراني مع الفاتح:
    كانللكوراني منزلة عظيمة عند السلطان محمد الفاتح، وقد تبوء الإمام أكبرالمناصب الدينية في الدولة العثمانية، قضاء العسكر، ثم منصب الإفتاء، ومنشدة حب الفاتح للإمام الكوراني عرض عليه منصب الوزارة أو الصدر الأعظم،وفوَّض إليه شئون دولته كلها، ولكن الكوراني رفض واقتصر على منصب الإفتاءوالمرجعية الدينية لشئون الدولة، بالإضافة لمنصب قضاء العسكر.
    كانالكوراني شديدًا، جريئًا، باذلاً للنصيحة، غير مستتر بها، وكانت معظم شدتهعلى السلطان، وذلك بسطوة المعلم على تلميذه، والوالد على ولده، فكانالفاتح إذ أصدر مرسومًا فيه مخالفة للشرع، كان الكوراني يمزقه ويشتد علىالفاتح ويقول له: مطعمك حرام وملبسك حرام، فعليك بالاحتياط، وكانت تلكالشدة تعمل في نفس الفاتح فعل السحر، ولكن مع تكرارها وتصاعد وتيرتها، بدأالفاتح يستثقل تلك الشدة والنصيحة، حتى حدث ذات يوم أن بعث الفاتح بمرسومللكوراني كيما يصدق عليه، فوجد فيه الكوراني مخالفة للشرع، فمزقه وضربالخادم الذي جاء به، فشق ذلك على السلطان محمد الفاتح، وغضب بشدة من فعلالكوراني وأمر بعزله من منصب قضاء العسكر.

    وقعتالجفوة والنفور بين الكوراني والفاتح، وهجر الكوراني مجالس الفاتح ولميحضر عنده، وقابل الفاتح ذلك بالإعراض والتجاهل التام، وكما قيل كثرالإملاس تفقد الإحساس، ولم يحتمل الكوراني تلك المحنة، بعد أن صار مهجورًاخامل الذكر فقرر الرحيل إلى القاهرة، حيث سلطانها المملوكي «قايتباي» وكانمحبًا للإمام الكوراني فاستقبله خير استقبال، وأكرمه غاية الإكرام، وكانبين محمد الثاني وقايتباي نوع من المنافسة والحسد، باعتبار كلاهما من أكبرزعماء العالم الإسلامي وقتها، فقابل «قايتباي» الكوراني تلك المقابلةالعظيمة للنكاية من طرف خفي في السلطان محمد الفاتح، واستعمله في أكبرالمناصب وجعله من خاصة رجاله وأقرب مستشاريه.

    الاختيار الصعب:
    ظلالشيخ الكوراني مقيمًا في كنف السلطان المملوكي الأشرف قايتباي، على أفضلحال وأكرم منزلة، ولكنه في نفس الوقت كان حزينًا لفراق الدولة العثمانيةومجافاة السلطان الفاتح له، وكانت للكوراني منزلة عظيمة جدًا عنده، فلماوقعت المحنة واضطر الكوراني للرحيل كان ذلك شديد الوقع على قلبه ونفسه،لذلك فعلى الرغم من الإكرام الزائد والإحسان الكبير الذي وجده الكورانيعند قايتباي، إلا إن ذلك لم يعوضه عما كان عليه عند الفاتح.

    مضتالشهور على الشيخ الكوراني وهو في صحبة قايتباي وبلاطه، وهدأت نفسيته وخفتأحزانه من جراء محنته، ومضى في دروسه ومجالسه العلمية واشتغل عليه الطلبة،ولم يكن يعلم أن تلك الفترة الماضية لم تكن شديدة عليه وحده، بل كانت أشدأثرًا وإيلامًا على قلب السلطان الفاتح نفسه، حيث ندم على فعلته مع الشيخالكوراني، وشعر بفقدان المربي والموجه والناصح الأمين الذي كان بمثابةالوالد، لذلك قرر الفاتح أن يصحح غلطته ويكفر عن فعلته مع الكوراني فأرسلإليه بخطاب يفيض بالاعتذار والأسف ويطلب منه على وجه الاستعطاف لاالاستعلاء أن يرجع إلى الدولة العثمانية.
    وصلالخطاب للشيخ الكوراني فقرأه وتدبر معانيه، ثم عرضه على السلطان المملوكيقايتباي ليأخذ رأيه ويعرف مراده، وذلك من باب رعاية حق الإحسان الذي قامبه قايتباي معه، إذ لا يصح أن يقطع الكوراني في ذلك الأمر وحده ويتجاهل منآواه وأكرمه وأحسن إليه، فليس هذا من مروءة المسلمين فما بالك بالعلماءالعاملين، وعندما عرض الكوراني الأمر على قايتباي انزعج وخاف أن يفارقهالكوراني، وكان حريصًا على بقائه والانتفاع بعلمه وعمله فقال له: (لا تذهب إليه فإني أكرمك فوق ما يكرمك هو).

    عندهاأصبح الشيخ الكوراني بين خيارين صعبين، وماذا يفعل؟ فهواه ورغبته فيالعودة إلى الدولة العثمانية التي كانت وقتها من أقوى وأفضل الدولالإسلامية، وفي نفس الوقت سلطان الدولة المملوكية حريصًا على بقائه،مؤثرًا لصحبته، وقد ذكّره بالإكرام الذي لاقاه بعد المحنة والعلاقات سيئةبين الفاتح وقايتباي، ومثل هذه القصة ستزيدها سوءًا، لذلك كان الاختيارصعبًا والقرار مرًا.
    وبذكاء العلماء وفطنة المربين والمعلمين الأذكياء، قال الكوراني لقايتباي عندما قال له: أنا أكرمك فوق ما يفعل هو، قال له: (نعم هو كذلك)ليستل ثورة الغضب من قلب قايتباي، ويشعره بقيمة إكرامه وإحسانه، فترضىنفسه ويهدأ قلبه، ثم قال له شارحًا أسباب اختياره الرحيل إلى الدولةالعثمانية: (إن بيني وبين الفاتح محبة عظيمة كما بينالوالد والولد، وهذا الذي جرى بيننا شيء آخر، وهو يعرف ذلك من، ويعرف أنيأميل إليه بالطبع فإذا لم أذهب إليه ظن وفهم أن المنع من جانبك فتزدادالعداوة بينكما وتستحكم). فاستحسن السلطان قايتباي هذا الكلام وأذن له في الرحيل، وأعطاه مالاً جزيلاً يستعين به على رحلته الطويلة.

    عاد الكوراني إلى الدولة العثمانية
    فاستقبله الفاتح بنفسه
    وأظهر من مظاهر تعظيمه واحترامه
    ما لم يقع مثله مع الملوك والعظماء
    وأعاده إلى مناصبه كلها
    ـ قضاء العسكر والإفتاء ـ
    فشغلهما قليلاً ثم نزل عنهما رغبة منه في التفرغ للعلم
    وفي تلك الفترة ألف الكوراني العديد من الشروح
    فشرح جمع الجوامع
    وعمل تفسيرًا للقرآن كثر تعقبه فيه
    لجلال الدين المحلى المفسر
    ]صاحب تفسير الجلالين]
    وشرح صحيح البخاري
    وعمل قصيدة في عروض اللغة نحو ستمائة بيت
    وأنشأ باستانبول جامعًا كبيرًا ومدرسة علمية
    سماها دار الحديث،
    وأقبلت عليه الطلبة وانتشر علمه
    وطريقته في التعليم والتربية بين الناس وتقلدوها
    وظل في سعادة وأتم حال حتى مات على مكانته
    وجلالته سنة 893هـ
    وصلى عليه السلطان بايزيد الثاني بنفسه
    ومعه رجال الدولة وكبار الناس
    وعامتهم وترحموا عليه وعلى علمه.


    ....................



      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين نوفمبر 20, 2017 11:14 pm