الصحيح

منتدى الصحيح ..لاينشر الا الصحيح..على منهج اهل السنة بأتباع سلفنا الصالح..ونردفيه على الشبهات وعلى اهل الضلال والفرق المختلفة


    محنة القاضي عياض

    شاطر

    أبو مصعب
    رئيس المنتديات
    رئيس المنتديات

    عدد المساهمات : 506
    نقاط : 1234
    السٌّمعَة : 1
    تاريخ التسجيل : 30/09/2010
    العمر : 37

    محنة القاضي عياض

    مُساهمة  أبو مصعب في السبت أكتوبر 09, 2010 6:26 pm

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    الحمدلله والصلاة
    والسلام على رسول الله
    وعلى آله وصحبه أجمعين

    ..........................



    الثبات حتى الممات، هوشعار علماء الأمة الربانيين، الذين لا يتنازلون عن الحق ولا يحيدون عنهقيد أنملة، مهما تقلبت بهم الأحوال، وعظمت عليهم الخطوب، فهم حماة الدينوحراس الشريعة وجند الحق، يعلمون أن أعظم المهام المنوطة بهم هي الحفاظعلى معالم الدين، والتصدي للمبتدعين، ومواجهة كل دخيل ومدعي يريد أن يحرّفمفاهيم القرآن والسنة، فكم من عالم رباني قضى نحبه تحت سياط الباطل وفيسجون الطغاة، من أجل ثباته على الدين ومحافظته على الحق، وكم من عالم طوردوشرد هو وأهله من أجل أنه لا يداهن ولا يجاري، وكم من عالم طمس تاريخهوشوهت سيرته بين الناس؛ لأنه آثر مرضاة الله عز وجل على مرضاة المضللينوالمحرفين، وهؤلاء العلماء كلهم شعارهم في الحياة قوله عز وجل: ﴿مِنَالْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِفَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَابَدَّلُوا تَبْدِيلاً[الأحزاب: 23]،وصاحبنا هذه المرة واحد من علماء الأمة الربانيين الذين كانت حياتهموخاتمتهم مثلاً حيًا وواضحًا وترجمة حقيقية لمعنى هذه الآية الكريمة.



    التعريف به:



    هو الإمام العلامةالحافظ الأوحد، شيخ الأندلس والمغرب، وفريد عصره، شيخ الإسلام، القاضيعياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبي الأندلسي ثم السبتي المالكي، وُلدسنة 476هـ بمدينة سبتة المغربية ]وهي ما زالت واقعة حتى الآن تحت الاحتلال الإسباني] وكان جده عمرو قد هاجر من الأندلس إلى المغرب أيام ملوك الطوائف وسكن مدينة سبتة وبها وُلد القاضي عياض.



    لم يطلب القاضي عياضالعلم في الحداثة كعادة كبار العلماء، بل طلبه بعد أن جاوز العشرين، وكانأول سماعه وطلبه للعلم إجازة مجردة من الحافظ أبي عليّ الغسَّاني، ثم رحلإلى الأندلس سنة 503هـ وسمع من شيوخها وعلمائها، وانقطع لطلب العلم،فاستبحر من شتى العلوم؛ الحديث والفقه، وعلوم اللغة، وتمهر فيها حتى فاقمعاصريه وشيوخه، وبذ الأقران، وجمع وألف، وناظر وأفتى، وسارت بتصانيفهالركبان واشتهر اسمه في الآفاق، وتولى منصب القضاء في بلده سبتة مدة طويلةحُمدت فيها سيرته، ثم نقل عنها إلى قضاء غرناطة، ومن شدة أهليته للمنصبارتبط واقترن اسمه بلقب القاضي على الرغم من صغر سنه، فلقد تولى القضاءوله خمس وثلاثون سنة فقط.



    ثناء الناس عليه:



    كان القاضي عياض منمحاسن الدهر، وبركة العصر، وكلمة إجماع عند أهل العلم، رزقه الله عز وجلالقبول عند الناس، فأنزلوه مكانه اللائق به بين مصاف كبار علماء الأمةوأثنوا عليه بما هو أهله، وهذه طائفة من أقوالهم:



    قال ابن بشكوال تلميذه: ]هومن أهل العلم والتفنن والذكاء والفهم، استقضى بسبتة مدة طويلة حمدت سيرتهفيها، ثم نقل إلى غرناطة، فلم يطل بها، ثم قدم علينا قرطبة فأخذنا عنهواستفدنا منه كثيرًا].



    قال الفقيه محمد بن حمادة السبتي: ]جلسالقاضي للمناظرة وله نحو من ثمان وعشرين سنة، وولي القضاء وله خمس وثلاثونسنة، كان هينًا من غير ضعف، صلبًا في الحق، وقد حاز من الرئاسة في بلدهوالرفعة ما لم يصل إليه أحد قط من أهل بلده، وما زاده ذلك إلا تواضعًاوخشية لله تعالى].



    قال ابن خلكان في وفياته: ]هو إمام الحديث في وقته، وأعرف الناس بعلومه، وبالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم].



    قال المؤرخ الشهير محمد بن عبد الله: ]وكانالقاضي عياض من أكابر الحفاظ، ومن أعظم أئمة عصره في الحديث، وفي فهمغريبه ومشكله ومختلفه، بارعًا في علم الأصول والكلام، حافظًا للمختصروالمدونة، متمكنًا من الشروط والأحكام، أبرع أهل زمانه في الفتيا، متقنًاللنحو واللغة، أديبًا كبيرًا، وشاعرًا مجيدًا، حسن التصرف في النظم،كاتبًا بليغًا، وخطيبًا مفوهًا، عالمًا بالسير والأخبار، ولاسيما أخبارالعرب وأيامها وحروبها، وكان حسن المجلس، ممتع المحاضرة، فصيح اللسان، حلوالمداعبة، بسامًا مشرقًا، جم التواضع، يمقت الإطراء والتملق، معتزًا بنفسهومكانته، محبًا لأهل العلم، معاونًا لهم على طلبه، جوادًا، سمحًا، من أكرمأهل زمانه، كثير الصدقة والمواساة].



    مصنفاته:



    يعتبر القاضي عياض منأكثر علماء المغرب تصنيفًا وترتيبًا، وله ثبت حافل بالمؤلفات النفيسةوالفائقة، كلها بفضل الله عز وجل موجود ومطبوع، وهو من الأعلام القلائلالذين لم يفقد من مؤلفاتهم شيء، على الرغم من المحنة الهائلة التي سيتعرضلها عندما تضطهده السلطة، وهذا الحفظ الذي حفظه الله عز وجل لمؤلفاتالقاضي عياض، دليل على عظم هذا الإمام ومكانته، وتأييد الله عز وجل له،وإعلاء ذكره وعلمه بين العالمين، أما عن أهم كتبه ومصنفاته فمنها:



    §كتاب «الشفا في شرف المصطفى»وهو أجلّ كتبه وأنفعها وأشهرها، وقد أتى في الكتاب بالعجائب والفرائدوالتأويلات البديعة والمعاني الخفية اللطيفة، فجاء هذا الكتاب فريدًا بينكتب سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد شغف العلماء بهذا الكتاب، فوضعواله الشروح والحواشي وخرجوا أحاديثه وحرروا ألفاظه، لذلك فللكتاب عدة طبعاتبعدة شروح مختلفة وبتحقيق أسماء مختلفة من أهل العلم، والكتاب لا يستغنيعنه أدنى طالب علم، فضلاً عن المتخصصين في السير والتاريخ.



    §كتاب «ترتيب المدارك وتقريب المسالك في ذكر فقهاء مذهب مالك».



    §كتاب «العقيدة» في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد شرح فيه عقيدته السلفية الصحيحة.



    §كتاب شرح حديث أم زرع واسمه «بغية الرائد فيما في حديث أم زرع من الفوائد»وقد ذكر فيه طرق الحديث وما يتعلق بها، ثم ذكر على طريق الإجمال فيه منالعربية والفقه والغريب وما اشتمل عليه من ضروب الفصاحة وفنون البلاغةوالبديع، ويعد هذا الشرح من أعظم كتب البلاغة التطبيقية في الكتب العربيةوقد أثنى عليه الحافظ ابن حجر كثيرًا في الفتح.



    §كتاب «مشارق الأنوار في اقتفاء صحيح الآثار»وهو في تفسير غريب الحديث وضبط ألفاظه، رتب فيه الكلمات على ترتيب حروفالمعجم المعروف ببلاد المغرب بحسب حروفها الأول ثم الثاني وهكذا، وهو منالكتب العظيمة النافعة.



    §كتاب «جامع التاريخ» الذي أربى على جميع المؤلفات، جمع فيه أخبار ملوك الأندلس والمغرب واستوعب فيه أخبار سبتة وعلمائها.



    §كتاب «الإكمال في شرح صحيح مسلم» أكمل به كتاب «المعلم» للإمام المازري.



    §كتاب «الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع».



    §كتاب «التنبيهات»، كتاب «الإعلام بحدود قواعد الإسلام».



    محنته:



    وُلد القاضي عياض كماذكرنا سنة 476 بسبتة التي كانت وقتها تحت حكم دولة المرابطين العظيمة،وهذه الدولة كانت من أعظم الدول الإسلامية التي ظهرت في بلاد المغرب عبرعصورها جميعًا، فلقد كانت دولة مجاهدة من الطراز الأول، حققت في هذاالمضمار الكثير من الفتوحات والإنجازات الخالدة، وكان لها الفضل في نشرالإسلام في غرب ووسط القارة الإفريقية، حتى أن راياتها الميمونة قد وصلتإلى منتهى نهر النيجر وبلاد الكاميرون وقلب نيجيريا، كما أنها كانت دولةبدوية ساذجة غير متلوثة بأسباب الترف المهلك، والأهم من هذا كله أنها كانتدولة سلفية المنهج والعقيدة، لا تعرف الطرق الكلامية والمذاهب البدعية إلىأهلها سبيلاً، وكان قادة وسلاطين وأمراء تلك الدولة يعظمون العلماءوالفقهاء ويجلونهم، وما سقطت تلك الدولة العظيمة إلا عندما تسلل الترفوالفساد إلى جنباتها.



    في ظل تلك الدولةالمجاهدة السلفية، وُلد ونشأ وترعرع القاضي عياض، وفي ظلها أيضًا تعلموتمهر وتقدم في شتى العلوم، وفي ظلها أيضًا صار القاضي عياض من أعلامالعلماء وكبار القضاة، ولأن تلك الدولة لم تعمّر طويلاً فإن القاضي عياضقد شاهد تلك الدولة وهي في عنفوان شبابها، وأوج قوتها، وأقصى اتساعها، ثمرآها وهي تندحر شيئًا فشيئًا، وتظهر فيها علامات السقوط مثل الفسادوالترف، ورآها أيضًا وهي تهزم المرة بعد الأخرى أمام جيوش أتباع مدعيالمهدية ابن تومرت والملقبين بالموحدين، مما كان يؤذن بأفول شمس تلكالدولة وخروجها من ساحة الأحداث إلى ثبت الذكريات.



    تولى القاضي عياض منصبالقضاء سنة 510هـ في مدينة سبتة، وكان في الخامسة والثلاثين، وكانت أولىعلامات الفساد بدأت في الظهور في جنبات الدولة المرابطية، وكانت تلكالعلامة هي الوساطة والشفاعة لبعض الناس والمحسوبية لهم على حساب الآخرينفتصدى القاضي عياض لتلك الآفة، وسار في ولايته بمنتهى النزاهة والأمانة،وأبدى حزمًا في تطبيق الحدود والأحكام، واشتهر بين الناس بغزير علمهوحفظه، وصدق طريقته، ودقة فتياه، وحياديته الكاملة، حتى طارت شهرته في كلمكان.



    تلك الشهرة بكل خير جعلت أمير المسلمين ـ وهو لقب سلطان المرابطين «علي بن يوسف بن تاشفين»ـ يوليه قضاء غرناطة بالأندلس، ليصلح من شأنها، نظرًا لانتشار المفاسد بينأهلها، وكثرة القلاقل والاضطرابات بها، فتولى القاضي عياض قضاء غرناطة فيسنة 531هـ، فقام به خير قيام، وأعرض عن الشفاعات والمؤثرات، وردع أربابالولايات وأتباع السلطان عن الباطل، وعزل كل من ثبتت عدم أهليته وكفايتهمن منصبه، فشرد كثيرًا من حاشية أمير الأندلس «تاشفين بن عليّ» عن أعمالهم ومناصبهم، فاستاء منه الأمير «تاشفين بن عليّ»وضاق به ذرعًا، خاصة والقاضي عياض يرفض رفضًا تامًا أي تدخل في عمله وأيمحسوبية أو وساطة، حتى لو كانت من الأمير نفسه، فالقاضي عياض عالم ربانييؤثر الحق ومرضاة الخالق على ما سواهما، كائنًا ما كان، فسعى الأمير «تاشفين بن علي»عند أبيه أمير المسلمين «علي بن يوسف» حتى يصرف القاضي عياض عن منصبه،وبالفعل تم له مراده وعُزل القاضي عياض عن منصبه في رمضان سنة 532هـ.



    لم يفت هذا العزل فيعضد القاضي عياض ولم ينل من مكانته ولا قدره، فعاد إلى مدينته سبتة وعكففيها على التدريس والفتيا ونشر العلم، ثم طلب أمير المرابطين «تاشفين بن علي»سنة 539هـ أن يلي منصب القضاء في سبتة، وكانت أحوال دولة المرابطين قدتدهورت بشدة، واكتسحت جيوش الموحدين معظم ولاياتها في المغرب فأراد «تاشفين بن علي»رجالاً صالحين وأشداء في تلك المناصب الحساسة لوقف تدهور الدولة المرابطيةأكثر من ذلك، وسبحان الله، كم لله عز وجل في خلقه شئون؛ فتاشفين بن علي هوالذي اجتهد أول مرة لعزل القاضي عياض عن منصبه، وهو نفسه الذي اجتهدلإعادته لنفس المنصب، وذلك عندما احتاج لعلمه وزهده ونزاهته.



    بلغ الكتاب أجله،وسقطت الدولة المرابطية العظيمة المجاهدة، لما تخلت عن أسباب قوتهاوبقائها، وأخلدت إلى الأرض والترف والشهوات، وحلت محلها دولة الموحدين،وتلك الدولة كانت على النقيض من دولة المرابطين، فمؤسسها دجال ادعىالمهدية اسمه «محمد بن تومرت»، وقد ابتدع لهم عقيدة خاصة بأتباعه أسماها «المرشدة»هي عبارة عن خليط من آراء المعتزلة والأشاعرة والجهمية، وقرر لهم الكثيرمن البدع والخرافات، وقد سلك ذلك الرجل الدجال وأتباعه مسلك القسوةالمفرطة والوحشية القصوى في التعامل مع المرابطين، وسفكوا دماء مئاتالآلاف من المرابطين واستحيوا نساءهم، وأبادوا مدنًا بأكملها من على وجهالأرض، حتى أن الموحدين قد قتلوا قرابة المليون مسلم من أجل إقامة دولتهم.



    عندما رأى القاضي عياضتلك القسوة والوحشية الدموية المفرطة في تعامل الموحدين مع خصومهم، خافعلى أهل سبتة من أن يصيبهم مثل ما أصاب أهل مدينة «سلا»المغربية الذين ذبحهم الموحدون عن بكرة أبيهم عندما حاولوا مقاومتهم، ورأىأن من المصلحة أن يدخل هو وأهل سبتة في طاعة الموحدين، حتى تستقر الأمورويرى بهدوء وروية ما يمكن عمله بعد ذلك، وبالفعل دخل القاضي عياض وأهلسبتة في طاعة الموحدين في سنة 540هـ، وأقره الموحدون على منصب القضاء.



    أخذ القاضي عياض فيتسيير شئون «سبتة» حسب مقتضيات الشرع والعدل، وهو في نفس الأمر يفكر فيكيفية التصرف مع هؤلاء الخوارج المبتدعين الضالين أتباع الدجال «ابنتومرت»، ثم وقعت مذبحة «مراكش» المهولة التي لم تعرف بلاد المغرب والإسلامقبلها من نظير، وذلك عندما قام الموحدون باقتحام مدينة «مراكش» عاصمةالمرابطين وآخر حصونهم وذبحوا أهلها جميعًا وكانوا بمئات الألوف، واسترقواالنساء والأطفال، ثم قاموا بعد ذلك بهدم المدينة بالكلية بدعوى أنها مدينةنجسة وأهلها مشركون ]كان الموحدون يصفون المرابطينبالمجسمة والمشبهة كما هي عادة أهل الزيغ والضلال في العقيدة مع أهل السنةوالجماعة أتباع عقيدة السلف الصالح].



    فهدموا كل شيء حتىالجوامع والزوايا والمدارس، وجعلوا المدينة قاعًا صفصفًا، فأثرت هذهالمذبحة البشعة في نفسية القاضي عياض بشدة، وأيقن أنه لا سبيل للتعامل معهؤلاء الضلال المبتدعة، وأن مصير «سبتة» سيكون كمصير «مراكش» و«سلا»و«وهران» وغيرها من البلاد والمدن التي رفضت عقيدة ابن تومرت الضالة.



    قرر القاضي عياض الاتصال بزعيم المرابطين «يحيى بن غانية» وكان الوحيد الذي بقي من كبار قادة المرابطين، وقد استطاع أن يسيطر على جزر الأندلس الشرقية «ميورقة وأخواتها»،فاتصل به القاضي عياض ونسق معه من أجل القدوم إلى مدينة «سبتة» وتسليمهاإليه، على أن يعمل يحيى بن غانية على مجاهدة الموحدين وتحرير مدن المغربمن نيرهم وضلالهم، وبالفعل وافق «يحيى بن غانية» على ذلك فأعلن أهل سبتة خلع طاعة الموحدين وذلك سنة 543هـ.



    سارت الأمور على غيرمراد القاضي عياض، إذ تخاذل يحيى بن غانية عن القدوم إلى سبتة في حين أسرعالموحدون إلى حصار المدينة بجيوش كثيفة، فخاف القاضي عياض على أهل المدينةمن القتل والسبي، فخرج إلى الموحدين بنفسه، وقرر لهم أنه المسئول عما جرى،فحملوه إلى أمير الموحدين عبد المؤمن بن علي وكان وقتها في مراكش، فعفاعنه عبد المؤمن وصفح عما جرى، ولكنه طلب منه أن يقر بعصمة ابن تومرتومهديته، ويكتب بذلك كتابًا للآفاق كلها، فعلم القاضي عياض أن الموحدين قدطلبوا منه ذلك الكتاب ليكون حجة لهم ودليلاً على باطلهم، وصك شرعية منأكبر علماء المغرب والأندلس وقتها، وعلم القاضي عياض أن حياته على المحك،وأنه إذا رفض سيقتل ولابد، وعلم أيضًا أنه لو أذعن وأعطاهم ما يطلبونلضلَّ كثير من الناس، واتبعوا الموحدين في ضلالهم وعقيدتهم المبتدعة، بلوأهدر بكتابه ذلك دماء مئات الألوف من الأبرياء الذين قتلوا ظلمًاوعدوانًا بسيوف الموحدين.



    تراءت كل هذه المعطياتوالنتائج في عقل القاضي عياض، فقرر التضحية بنفسه وإيثار مرضاة الله عزوجل وحده، وإيثار الحق والعلم الذي قضى عمره كله يدعو إليه ويقضي بهوينشره بين الناس، وأعلنها مدوية أمام الموحدين المبتدعين؛ أنه لا عصمةلابن تومرت، ولا مهدية له، وأنه دجال ضال في باب العقائد والأقوالوالأفعال، وأن دماء الأبرياء في رقبته ومسئول عنها يوم القيامة، وذلك يوم9 جمادى الآخرة سنة 544هـ، فقام الموحدون بقتله بالرماح حتى قطعوه إربًاثم قاموا بجمع أشلائه ودفنوها في مكان مجهول بمراكش بلا صلاة ولا غسل كأنهواحد من غير المسلمين، بل وقاموا بعد ذلك بما هو أنكى من ذلك، فأقطعوا تلكالمنطقة للنصارى فبنوا بجوار قبره كنيسة وبعض الدور.



    ولأن الله عز وجل ينصررسله والذين آمنوا في الحياة والآخرة، فقد عثر على قبر القاضي عياض سنة712هـ في عهد الدولة المرينية السنية والتي أسقطت دولة الموحدين الخبيثة،وفرح الناس والعلماء بذلك الأمر بشدة، وأمر القاضي أبو إسحاق بن الصباغبتسوية ما حول القبر وإشهاره وإظهاره، واجتمع الناس عنده وصلوا عليه مراتكثيرة، وختموا القرآن عنده مرات كثيرة ]وهذا الأمر بخلاف السنة].


    والخلاصةأن القاضي عياض أعظم حفاظ المغرب والأندلس وعلمائها في عصره، وسر عظمتهليس فقط علمه الغزير وفضائله الجمة، ولكن ثباته على الحق ورغبته في إصلاحالأمة، والتصدي أمام الباطل والطغيان، حتى ولو كان ثمن ذلك الثبات هوروحه. فرحمه الله عز وجل رحمة واسعة وأجزل له المثوبة يوم الدين.


    ................


      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة سبتمبر 22, 2017 12:40 pm